الشرق الأوسط في مناخ المستقبل

May 15th, 2019

إنتشر على مواقع التواصل الإجتماعي فيديو ينسب للعالم الفلكي الكويتي صالح العجيري، وقد لا يكون الفيديو بصوته. يتحدث الفيديو عن كتاب يتنبأ بكوارث زلزالية سوف تصيب العالم ويركز المتحدث على منطقة الشرق الأوسط. مؤلف الكتاب الرئيسي أمريكي إسمه جون كيسي وهو من العلماء الذين يقللون من أهمية نظرية الاحتباس الحراري ويعتقد أن المناخ العالمي سوف يتأثر بدرجة اكثر بالبقع الشمسية. دفعني إهتمام قراء المواقع إلى تحري مصداقية الفيديو والكتاب فوجدت ما يلي.

وجدت أن هنالك آليات ونظريات عديدة لتفسير التغيرات المناخية ولا يوجد إجماع بين العلماء على مدى تأثير أي منها أو صلاحيتها على التنبؤ عما سوف يحدث في المناخ محلياً أو عالمياً. لكن الأغلبية العظمى من العلماء والسياسيين يتفقون على أهمية نظرية الإحتباس الحراري، التي تربط الزيادة في درجات الحرارة وتذبذب الطقس والأمطار والسيول بزيادة نسبة ثاني أوكسيد الكربون والغازات الحرارية في الجو.ولعل من أخطر مظاهر الإحتباس الحراري هو ظاهرة إرتفاع منسوب مياه البحر، حيث يهدد مناطق ساحلية عديدة بالغرق. موضوع إرتفاع منسوب البحر أصبح متشعباً وهنالك العديد من المقالات التي تتناوله في الحقبة الأخيرة، ما إستخلصته هو أن منسوب البحر سوف يزداد تدريجياً من 60 سنتيمتر إلى متر وعشرون سنتيمتراً في عام 2100.

ولكي نضع هذه الزيادة في إطار منطقة الشرق الأوسط نرى أن تنبؤ الزيادة بمقدار متر واحد سوف تغرق مناطق واسعة في البصرة وخوزستان في أيران كما توضح الصورة أدناه والرابط هنا.

+متر واحد لمستوى البحر
المناطق المهددة بالغرق مع إرتفاع متر واحد لمستوى البحر

لكن الإحتباس الحراري يعني أيضاً زيادة التبخر من مياه البحر وبالتالي زيادة معدلات هطول الأمطار عالمياُ، وهذه الظاهرة ذات أثر عظيم في مناطقنا التي هي في غالبيتها العظمى صحراوية. فإذا إستمرت الأمطار في صحارينا كما رأيناها في الشتاء الماضي لسنين قادمة بحيث تمتلئ خزانات المياه الجوفية الطبيعية وتتكون بحيرات من الماء العذب، في هذه الحالة قد يتغير المناخ القاري في صحارينا إلى مناخ معتدل، وقد نرى تغيرات سكانية وهجرات عكسية وتغيرات سياسية يمليها المناخ. وبالتالي فقد تكون الأمطار أبعد أثراً من زيادة منسوب البحر في الشرق الأوسط. لكن علينا أن نتذكر بأن النظرية تتنبأ بزيادة التذبذب وسعة الفروق في الظواهر المناخية، فالزيادة في غازات الإحتباس الحراري تعني أيضاً عدم الإستقرار.

أما نظرية البقع الشمسية فالمدافعين عنها قلة من العلماء وخلاصتها أن البقع الشمسية تأتي على فترات منتظمة، وتتسبب في حصول عصور جليدية عالمية نتيجة لحجبها جزءً من أشعة الشمس، وبالأمكان الإستدلال على فتراتها من دلائل جيولوجية. لذلك فأن مواقيت البقع الشمسية تخضع لحسابات معروفة وبالأمكان التنبؤ بها بدقة. ونتيجة لنقص الأشعة الشمسية وإنخفاض الحرارة تحصل عصور جليدية وتتقلص كتل اليابسة مما يؤدي إلى زيادة إحتمالات الزلازل وخصوصا على خطوط التماس بين الكتل القارية. توضح الصورة التالية مناطق الزلازل المحتملة ويبدو أن أغلب مناطق أيران وتركيا هي مناطق مهددة، وكذلك سواحل البحر الأبيض المتوسط، لكن المناطق الداخلية والصحراوية تبدو بعيدة عن الزلازل المتوقعة.

أن التنبؤ بمستقبل المناخ ليس علماً مؤكداً، وإنما هو مبني على معرفة مجموعة آليات علمية مناخية تؤدي بعضها إلى زيادة الحرارة والأخرى إلى البرودة، لكننا لا نعلم مواقيت عملها ولا شدة تأثيرها، وقد يحصل أن آليتين قد تعمل بصورة متعاكسة في وقت واحد، لكن هذا ما هو إلا واحد من إحتمالات عديدة ولا نستطيع حتى تقدير إمكانية حصول أي منها في المستقبل البعيد.

The End

آراء متطرفة: الأحزاب الدينية باقية إلى ما شاء الله

May 4th, 2019

تؤدي الفكرة السائدة إلى نقيضتها، ومن ثم إلى فكرة سائدة جديدة تتكون من تركيبة تجمع حسنات الفكرتين. وتؤدي هذه الفكرة المركبة بدورها إلى نقيضتها ثم إلى تركيبة جديدة محسنة عن سابقتها وهكذا دواليك تتطور الفكرة إلى الأحسن إلى أن تصل إلى مرحلة الكمال.
هذه هي خلاصة من فكر هيجل، الفيلسوف الألماني من أوائل القرن التاسع عشر، والمعروفة بالديالكتيكية التاريخية. وهي أيضاً إحدى دعائم الفكر الماركسي الذي يعتقد بأن الأسباب المادية هي المحرك الأساسي لعملية التطور التاريخي هذه.

وفي سياق أحداث اليوم والأمس القريب لا يسعني سوى أن أستعين بما كتبه صديقي العزيز أبو رائد موفق التكريتي في رثاء الأديب العراقي علاء المشذوب الذي أغتيل في كربلاء في 2 شباط فبراير 2019. يقول أبا رائد:

.هكذا يولد الضد من رحم المعاناة والموت والمطاردة
من رحم العثمانيين ولدت الدولة المدنية والحركة المدنية العراقية
العثمانيون تركوا في بغداد مساجد اكثر من المدارس فأنكب العراقيون على تأسيس المدارس ونادى الشعراء بحقوق المرأة والسفور
ومن العهد الملكي ولد الحزب الشيوعي فكل من عارض اتهم بذلك
ومن رحم الحقبة الجمهورية الأولى ولد البعث لان المايصفك عفلقي
ولا اعتقد ان حملة دعاية قام بها نظام لحزب مثل الدعاية التي قدمها النظام السابق لحزب الدعوة
وهكذا ولد حزب الدعوة أكبر من حجمه بسبب الهرمونات التي ضخها النظام السابق في خيال الناس
والى روح الرواءي علاء المشذوب القتيل في كربلاء اقول من رحم كفنك النقي سيولد عراق نقي جديد
عراق نلوذ به من عاديات الزمن ونستظل بنخلاته الباسقات ونتغنى فيه بحروفك الجميلة
ارقد بسلام وسكينة فدمك سينبت حرية وانسانا وانسانية وعراقا أكبر

فالفكرة تؤدي إلى نقيضتها ، والحكم الجائر يؤدي إلى حكم معارضيه، وهذه ظاهرة يعرفها العراقيون جيدا وخصوصاً من عاش في ظلال الإنقلابات خلال السبعين عاماً الماضية، وحتى فيما سبقها لأن حركة القومية العربية التي أدت إلى نشوء الدولة العراقية تحت لواء فيصل الأول ما نمت إلا بعد “المعاناة والموت والمطاردة” من قبل جمال السفاح وأعوانه من القوميين الأتراك.

ولكن هنالك خلل في ظاهرة تعاقب المتضادات في العراق، فالنظرية الأصلية تتوقع أن تتحسن الأفكار أو الأحكام مع كل مرحلة جديدة في حين أن واقع الشعب العراقي يزداد سوءً مع كل إنقلاب جديد، وهذا أمر لاحظه الكثير من العراقيين وكأن التاريخ يثبت بأن مجتمعنا لا يتعلم من أخطائه، بل ويزداد جهلاً وإنخداعاً مع كل مرحلة سياسية جديدة.

كنا ندعو الله أن يزول الحاكم بعد كل إنقلاب والآن ندعو لزوال الأحزاب الدينية وكأن نقائضها ستكون أحسن منها. أن أحزاب الأضداد للأحزاب الدينية من داخل الحكم وخارجه، من دواعش إلى الأحزاب اليسارية والشيوعية إلى البعث، عملت وسوف تعمل بنفس طريقة الأحزاب الدينية وهي ضرب وإستبعاد المعارضة الحقيقية وهي بذلك تحمي نفسها من المسائلة حين يؤول الحكم إليها. أن التوافق السياسي الذي تبنته الولايات المتحدة في العراق أدى إلى إستبعاد المعارضة الحقيقية فأصبحت العملية السياسية بلا حساب، فعلينا أن نعي ونحدد ما يخافه ويحاربه الفاسدون وهو العدالة و المحاسبة. لقد إستشهد علاء المشذوب وغيره من الأدباء والمثقفين ليس من أجل تغيير الفاسدين من الأحزاب الدينية بفاسدين من أحزاب أخرى ولكن من أجل العدالة ومحاسبة المجرمين والسراق، وهذه لا تأتي نتيجة لإستبعاد المعارضة وإسكات المظلومين والجائعين، بل نتيجة لوجود معارضة حقيقية وأصوات حرة لا تقبل السكوت سواءً كانت دينية أو غير ذلك.

تبنى صديق عزيز نداءً يدعو إلى منع إستعمال الدين للأغراض السياسية، أي إلى إستبعاد الأحزاب الدينية من العمل السياسي، وطلب مني التأييد في ندائه هذا. بغض النظر عن الأسباب العملية التي تجعل من إستبعاد الأحزاب الدينية أمراً من شبه المستحيل، فأنني لا أستطيع القبول بمبدأ إستبعاد الأحزاب الدينية، أولاً لأنه سوف يقوض آلية المحاسبة والعدالة ويفتح المجال أمام تعاقب السلطة بدون محاسبة الفاسدين وثانياً لأنه سوف يدين من ينتمي لهذه الأحزاب ويمنعهم من ممارسة حقوقهم لمجرد الإنتماء، وهذا شر أشد من معاقبة الأحزاب لأنها تقع ظلماً على الأفراد وتمنعهم من حق الإختيار.

أن إستبعاد الأحزاب الدينية سوف يؤدي إلى تسييس محاسبتهم على أخطائهم ونسيانها، لذلك أقول أنها باقية طالما كان لها رصيد من التأييد الشعبي، فلا أحد يستطيع إنكار حق المواطن في إختيار من يريده أو تجريمه لمجرد الإنتماء، سواء كانت لأحزاب اليمين أو اليسار.

أو كما قال أحد الحكماء: “ما من شيء أفضل للتقدم من وجود معارضين أقوياء”

The End

Upheaval in the Middle East

May 3rd, 2019

I viewed an alarmist video on you-tube, the clip promoted a book published in December 2016 by Dr. John Casey et al. titled Upheaval. The book suggests that sunspot cycles correlate with the onset of geological ice ages, and since a new cycle of sunspot proliferation is about to begin, so will a new ice age and a period of catastrophic earthquakes.

Dr. Casey minimizes the effect of greenhouse gases on global warming, and promotes a theory that climate change and earthquakes are caused in large part by solar hibernation, or periods of proliferation of sunspots. I will place these two mechanism in perspective.

I attended an ISSS conference in Denver, CO in 1992. A very knowledgeable speaker summarized current knowledge as being aware of about twenty mechanisms leading to global warming and twenty more leading to cooling, the scientists at the time just did not know which mechanisms will kick in and be active in contributing to climate change. I am sure some of my old friends at ISSS and ASC will remember the talk. I was impressed by this argument because it cited multiple factors or causes, it did not single out only one and sensationalized its effect. I believe this is the way modern science should be understood and presented to lay people. The speaker gave the audience good perspective and concluded that world climate will probably become less stable no matter which mechanism activates; sharper and deeper swings in temperature, wind and precipitation are to be expected in all cases.

Greenhouse gases and solar activity are behind two mechanisms with different effects. The believers in global warming due to greenhouse gases greatly outnumber the solar activity activists. Among many observations, global warming activists point out to the fact that 18 out of 19 warmest years on record happened since 1998. Perhaps the most catastrophic global warming effect is sea level rising which threatens to drown many low lying areas of the world. Alexandria, Egypt is threatened but most of the surface area of the smaller gulf states is not threatened by the 5-6 metres rise. Other Gulf areas with higher vulnerability include the city of Basrah in Iraq and much of the province of Khuzistan in Iran. Another greenhouse catastrophe with Middle Eastern manifestation is the recent rain and floods. The floods of 2019 in Iran and Iraq were devastating, as well as in Kuwait and in the UAE.

A convincing greenhouse effect activist is David Wallace-Wells, who published a widely read article in the July 2017 issue of the New York Magazine. High among the catastrophes is the melting of permafrost layer and the addition of methane gas to the atmosphere. Wallace-Wells explained the destabilizing effect of global warming, where warming can accelerate due to multiple factors. In particular for the Middle East, the article cites some speculators who think that “the elevated level of strife across the Middle East over the past generation reflects the pressures of global warming” and “in 2015 the heat index registered temperatures as high as 163 degrees Fahrenheit (72 C ?).” And “As soon as several decades from now, the hajj will become physically impossible for the 2 million Muslims who make the pilgrimage each year.”

However, climate cooling due to solar activity is a different mechanism. The proliferation of sun spots in cycles means solar radiation on earth will also diminish. Less sun rays means colder climate, that makes sense. And the reliability of sunspots is fairly established from millennia of geological observations, therefore we are pretty sure that sunspots will come on time and cause the surface of the earth to cool, and shrinkage of the earth crust due to cooling could cause earthquakes along fault lines. This line of logical thinking, the ice age mechanism, does not negate the global warming mechanism and begs the question: What if both mechanisms kick in at the same time? The two Godzillas, global warming against ice age. I think their interaction will be complex; the effect of warming and cooling may not always cancel out.

My speculation will be based on the thermal dynamics of earth surface; slow changing parts with large mass, such as the world oceans, permafrost layer and arctic/antarctic ice caps, will cancel out as the small jolts of temperature rises accumulate. But fast atmospheric phenomena will act separately and continue destabilizing. I am not a specialist and I haven’t red all the literature; I have no fear of being proved wrong in predicting world climate. I just want to contribute my penny’s worth. So, I am predicting a reprieve from sea level rising and slower depletion of permafrost, but I think precipitation, temperature swings and floods will increase on a global scale.


As far as the Middle East goes, with increasing precipitation I think the scenario of blooming deserts will become feasible. The higher precipitation and availability of water may temper the dryness and swing of temperature, a more moderate desert climate fit for agriculture may not be far fetched. Earthquakes may increase but the fault line where quakes are most likely to strike passes through south east Iran and eastern Turkey, it will largely miss the gulf states and the rest of the Middle East and North Africa.

The political consequences of such changes may be even more speculative and colorful, could it be that we will see reverse immigration of Europeans and North Americans back to the Middle East? Surprises happen.

The End

آراء متطرفة بمناسبة الذكرى المئوية لمؤتمر فرساي: جاء الإنكليز بفيصل الأول.. وبعدين؟

April 21st, 2019

يبدو لي أن العديد من العراقيين يرددون مقولة أن الإنكليز جائوا بفيصل الأول ملكاً على العراق وكأن الأمر حدث بدون مسببات سوى إرادة الإنكليز بالإستعمار وبالمنفعة الذاتية. سوف أبتدئ الرد بسرد عن الماركسية مما قد يبدو غريباً وليس ذو علاقة بتتويج فيصل الأول لأول وهلة.

لا تزال الماركسية كإيديولوجية تلقى الإهتمام في الأوساط الأكاديمية. سؤل أحد أساتذة الفلسفة عن كيفية التغير في فهم الشيوعية منذ إعلان المانيفستو في أواخر القرن التاسع عشر . قال : كانت الماركسية تنظر للأحداث التاريخة وكأنها نتيجة حتمية للعوامل المادية بنسبة 100% وكأن العوامل الأخرى ليس لها وجود، وأصبحت في أواسط القرن العشرين تفسر التاريخ عند النخبة من المفكرين بنسبة 50%. لكن العوامل المادية تبدو الآن بعد التمعين والتدقيق غير قادرة إلا على تفسير 30% من الأحداث التاريخية، صحيح أنها أهم من العوامل الأخرى لكن أصبحنا اليوم نرى تراكم تأثير بقية العوامل الإجتماعية والتاريخية التي لا ترجع للمادية.

وفي سياق المقارنة بين حداثة الفهم وأصوله القديمة لا يسعني سوى الرجوع إلى مجادلات الراحل الدكتور علي الوردي في الخمسينات من القرن الماضي. علي الوردي قارن بين الفكر الحديث الذي تبناه والذي يتقبل بتعدد الأسباب للأحداث والظواهر الإجتماعية وبين النظرة البدائية التي تسود في مجتمعاتنا العشائرية والتي ترجع الأحداث والظواهر لسبب واحد. فمثلاً ذكر في مقدمة كتابه “مهزلة العقل البشري” عن ناقديه : يجب أن نلتفت إلى ناحية غفل عنها إخواننا من أرباب التفكير القديم، فهم يدرسون الظواهر الإجتماعية على أساس التعارض بين الوجود والعدم فيها. وهذا ما يعرف عندهم بقانون “الوسط المرفوع”. والباحثون المحدثون لا يؤمنون بهذا القانون. فليست عندهم ثنائية منفصلة يتراوح الشئ فيها بين الوجود والعدم. وهم حين يدرسون أية ظاهرة إجتماعية يراعون فيها نسبة التزايد والتناقص. فالإنحراف أو البغاء أو الجريمة أو ما أشبه من المشكلات الإجتماعية لا تنشأ من سبب واحد. وليس هنالك من يستطيع القضاء عليها قضاءً تاماً.

وأنني لا أبتدع أمراً جديداً حين أدعو للنظر بما جاء بفيصل الأول على طريقة علي الوردي، وما أنا إلا سائر على نهجه وطريقتة الحديثة في فهم الأمور والأحداث السياسية.

يردد “إخواننا من أرباب التفكير القديم” بأن الإنكليز جائوا بفيصل الأول بإعتبار أن هذه حقيقة لا يجوز نقاشها. طبعا هذا الطرح هو تجسيد ثنائية الوجود والعدم بعينها، فالأنكليز بنظرهم جائوا بفيصل بإرادتهم ولأسبابهم التي هي منفعية بحتة وهذا يكفي عندهم للإقتناع، ولا يوجد عند أرباب الفكر القديم ما يستحق الذكر من مسببات أخرى وكأن هذا القرار جاء بلا خلفية تاريخية أو من العدم. وليس بوسعي الإدعاء بأن الميس بل مثلاً لم تكن أحد أهم الداعين لولاية فيصل الأول، وبالتالي فقد كانت سبباً مباشراً لإنتقائه من بين المرشحين الآخرين، لكنني أتسائل عن تأثير الأحداث التاريخية والعوامل الأخرى التي ساهمت في نجاح ترشيحه وفشل الآخرين؟

 1919 الوفد العربي لمؤتمر فرساي

1919 الوفد العربي لمؤتمر فرساي

ليس من عادة الأحداث التاريخية أن تأتي بطفرة، أي منفصلة عما سبقها، وإنما تحصل غالباً نتيجة لتراكمات وإستمرارية لأحداث سابقة. والنظرة التي تستشهد برسائل الميس بل كنقطة بداية ليست كافية لتفسير ما حصل بعدها بفترة قصيرة. فتيارات القومية العربية تعود لأواخر القرن التاسع عشر ومركز الأمير فيصل القيادي في هذه التيارات كان واضحا قبل بداية الحرب العالمية الأولى، وقيادة الجيش العربي الذي قاتل إلى جانب الحلفاء كانت للأمير فيصل بلا منازع. ودخول الوفد العربي مؤتمر فرساي في عام 1919 كان إعترافاً بمساهمة الجيش العربي القتالية وبقيادة الأمير فيصل له.

تحسين قدري يتأمل ذكرياته وصورة الوفد العربي

تحسين قدري في 1975: صورة داخل الصورة

لقد دخل الأمير فيصل مؤتمر النصر للحرب العالمية الأولى بالإستحقاق القتالي وتوج ملكا على سوريا وبعدها على العراق بالإستحقاق القتالي، وهذه الحقيقة هي أعمق من إدعاءات أرباب التفكير القديم ودعاة نظرية المؤامرة، الذين أعطوا بريطانيا قدرات أسطورية خارقة ولم يتركوا هامشاً للإرادة العربية.

The End

آراء متطرفة: الدكتاتور القادم سوف لن يكون صالحاً

April 1st, 2019

الرأي السائد في المجتمع العراقي أصبح أن الديمقراطية لا تصلح لنا، وأن الحل يكمن في البحث عن دكتاتوراً صالحاً يفرض الإصلاح بالقوة ويكافح الفساد بالأمر الإداري المباشر ويبسط الأمن في البلاد بقيادة المعارك بنفسه ..

تجسد هذا الرأي في الإنتخابات البرلمانية السابقة، حيث قاطعها أغلبية الناخبين وإنكشف التزوير لدرجة لم يسبق لها مثيل وبلغ الإحباط ذروته. ومع الشعور بالإحباط تأتي تخيلات واسعة بإمكانية التوصل لحلول سهلة لمشاكلنا العويصة ومن هذه التخيلات نتصور بأن بالإمكان تحضير دكتاتور صالح له أفضل ما في قادة الإنقلابات السابقين، وهذا القائد المتمكن الشبيه بالمهدي المنتظر هو القادر على حل جميع مشاكلنا ببطولة منقطعة النظير.

لكن الواقع المرير هو أننا لم نحظى بأي دكتاتور صالح لجميع طوائف الشعب منذ بداية الحكم الجمهوري في 1958، ومن بين الرؤساء الذين أظهروا شيئاً من الصلاح لا نجد من داموا في الحكم من أجل تحقيق إصلاحاتهم. لذا فأن التوقعات بقدوم الدكتاتور الصالح القادر على تحقيق إصلاحاته تبدو بعيدة عن الواقع، بل أن الدكتاتور المزمع لو جاء فإنه لن يبقى إلا بالتوافق بين التمساحين الخائضين في المستنقع العراقي: إيران وأمريكا. إي أنه سوف يكون عميلا مزدوجاً وإلا فلن يكون..

الحل ليس في الدعوة إلى الدكتاتور الصالح عن طريق الديمقراطية أو الإنقلاب ومن ثم العمل على ديمومته. الحل الدائم يكمن في القضاء على التزوير وإستخدام الديمقراطية لما هي صممت من أجله أصلاً، وذلك هو التغيير السلمي والشرعي للسلطة. والتعاقب السلمي حسب الإرادة الحقيقية للشعب هو الكفيل بتحقيق الإصلاح. لقد أساء التزوير للعملية الديمقراطية منذ 2003 وأدى إلى فقدان المهمة الأساسية لها وأصبحت الديمقراطية مجرد وسيلة لإستمرار الحكم عوضاً عن تغييره. والقضاء على التزوير لن يأتي من الداخل فتوافق القوى الذي تبنته الولايات المتحدة متوافق على التزوير وعلى تقسيم الكعكة بينهم بالتراضي. نحتاج أما إلى توافق جديد أو لإشراف الأمم المتحدة على العملية الإنتخابية.

أن التطرف بالرأي لا يحتاج بالضرورة لمواقف تدعو إلى العنف، فالتطرف قد يأتي نتيجة لغرابة الرأي في نظر الأغلبية التي لا تتفق معه، وما ندعو له هو في الواقع رأي معتدل لكنه قد يبدو غريباً عند معظم العراقيين. أنه التطرف بالإعتدال!

The End

آراء متطرفة: بين قاسم وصدام

March 21st, 2019

عبد الكريم قاسم كان زعيما شعبيا بين 1958 و 1963 جاء إلى سدة الحكم بإنقلاب عسكري على الملكية، وسرعان ما أيدته حشود واسعة من الشعب العراقي الذي كان في حالة إستعداد لتقبل التغيير في الإتجاه السياسي المحافظ للحكم الملكي. ألغى عبد الكريم قاسم الدستور ثم إنقلب على حلفائه القوميين وبعد أن ترك العنان لليساريين في البداية للتمادي في أعمال العنف إنقلب عليهم . واليوم وبعد أكثر من خمسون عاماً يتذكره الكثيرون كزعيم الفقراء فقد إستحق بجدارة مشاعر العرفان من شرائح واسعة من المحرومين الذين إستلموا الوظائف الحكومية والمساكن في عهده.

في المقابل هنالك صدام حسين الذي ساهم في الإنقلاب الذي أطاح بقاسم في عام 1963 ثم في عام 1968 على عبد الرحمن عارف واستلم مقاليد الحكم تدريجياً إلى أن أصبح فعلياً الحاكم المطلق، وإنقلب هو الآخر على رفاقه البعثيين وعلى الشيوعيين الذين إستمالهم بالمناصب، لكنه كان عروبياً وساعد الكثيرين من العرب غير العراقيين بالمنح الدراسية وفتح المجال أمامهم للعمل والإستقرار في العراق، وجائت النتيجة الطبيعية لهذه الأعمال بمشاعر العرفان من الكثير من قادة الفكر في العالم العربي الذين تثقفوا وتخرجوا من الجامعات العراقية.

يتعاطف الكثيرون من العراقيين مع ذكرى قاسم بسبب مساندته للفقراء لكنهم أنفسهم لا يتفهمون سبب تعاطف الشارع العربي مع ذكرى صدام. فالمسببات الأقوى في الحالتين هي الشعور بالعرفان ورد الجميل على الإحسان لكنه حلال علينا نحن العراقيون وحرام على الآخرين من العرب.

كلا الزعيمين أصبح جزءً من تاريخ العراق والشرق الأوسط بحسناتهم وسيئاتهم لكن أتباعهم لا يزالون يحاربون معاركهم الجانبية الإنقلابية على الحلفاء السابقين ويتهمون بعضهم البعض بالتطرف. ياللتطرف!

The End

لا تطالبوا بالتغيير

July 22nd, 2018

جائت معظم إنقلابات الحكم في العراق بعد إحتجاجات شعبية والتي كانت تمهد للتغيير ولظهور قادة جدد بين ليلة وضحاها، ويتلي غليان العواطف بعد سنة أو سنين قلائل إنكشاف نوايا هؤلاء القادة، فجميعهم يضع إستمرارية بقائه وهيمنته على هرم السلطة في قمة أولوياته، فهو رجل العراق القوي الذي جاء بشرعية الإستحقاق الثوري وبذلك فقد وهبه الله حق الزعامة لأي فترة يختارها هو.

لا يخفى أن العديد من المراقبين والسياسيين والمشاركين في التظاهرات يأمل في التغيير على نفس طريقة السابق، أي بظهور رجل قوي آخر يفرض زعامته بالإستحقاق الثوري، وعلى طريقة هتلر وستالين يستطيع أن يعيد الكهرباء والوظائف والأمان إلى ما كانت عليه.

الجماهير اليوم تطالب بالتغيير بعد أن ضاقت ذرعاً بالطبقة السياسية الفاسدة لكنها مندفعة عاطفياً، فبعد المطالبة بنزاهة الإنتخابات وتوفير الكهرباء ومحاربة الفساد أضيف إلى القائمة توفير فرص العمل وإستكمال المشاريع المتوقفة وشحة المياه ومحاسبة المجرمين، وهذه كلها مطالب مشروعة لكنها توفر الذريعة لرفضها جملة وتفصيلاً لإرتفاع سقف المطالب عن قابلية الحكومة الواقعية للتنفيذ. والأهم من ذلك تبدو الإحتجاجات وكأنها تمهيد وخلق الضروف اللازمة لظهور دكتاتور جديد آخر، والشخص الممكن ظهوره الآن أما أن يكون عميلاً أيرانياً أو عميلاً أمريكياً، أو عميلاً مشتركاً بين الأثنين. و هذا بحد ذاته ليس خارجاً عن المألوف، فسوف يجادل البعض بأن جميع من جائنا مؤخرا كانوا على هذا المنوال، لكن الخسارة في أننا طالبنا بالتغيير وأهملنا آلية المحاسبة أي نزاهة الإنتخابات والتي كانت المطلب الأساسي للمتظاهرين، لذا فقد نحصل على تغيير في الوجوه لكن بدون القابلية على محاسبتها وتغييرها.

أن المطالبة بنزاهة الإنتخابات يختزل جميع المطالب الأخرى لأنه آلية جذرية مستمرة وليس تغييرا وقتيا غير مضمون النتائج، لذا أدعو أخوتي وأبنائي المتظاهرين إلى إعادة تحديد أولوياتهم: لا تطالبوا بالتغيير بل طالبوا بآلية التغير أي بنزاهة الإنتخابات.

والحل الذي أراه ممكنا هو في إبطال نتائج الإنتخابات وإستمرار حكومة العبادي لتصريف الأعمال لسنتين على أن تدعو إلى إنتخابات جديدة تحت إدارة الأمم المتحدة.

The End

أطردوا ماغورك

May 28th, 2018

بريت ماغورك هو مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص للعراق، المعروف عنه علاقته الوطيدة مع السياسيين العراقيين المكفولين أيرانيا كرئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

أرجو عدم إسائة فهم كلماتي، ليس خطأ أن تقيم الولايات المتحدة علاقات جيدة مع أعداء محتملين لكي تتجنب التورط في منازعات طويلة ومكلفة وبلا نتيجة. فقد صرح الرئيس أوباما قبل إنتخابة بأنه سوف يتبنى سياسة الإنسحاب العسكري الكامل من العراق، والإنسحاب الكامل لم يكن ممكناُ في حينها بدون التنسيق مع أيران. كانت أفكار ماغورك مناسبة لتحقيق هذا الهدف وكان الرجل المناسب في الوظيفة المناسبة.

لكن الأمر الآن قد إختلف فالإنتخابات التي جرت مؤخرا كانت تحت إدارة هيئة الإنتخابات “المستقلة” والتي يتبع أعضائها الأحزاب السياسية الفاسدة المتقاسمة الحكم. وتشير التقارير الواردة من محطات الإنتخابات الفرعية بأن المساهمات الشعبية في التصويت كانت متدنية جداً، وغالبا لا تزيد على 30%. ولكننا تفاجئنا قبيل إغلاق صناديق الإقتراع بأن التقرير الرسمي لهيئة الإنتخابات يشير بأن المساهمة كانت حوالي 45%.

وهذا قد أثار حفيظتي لأن أغلب معارفي من العراقيين قاطعو الأنتخابات هذا العام (شخصياً أنني قد ساهمت بالأنخابات وأصبعي المصبوغ بالحبر يشهد على ذلك).

ليس لدى مفوضية الإنتخابات إحتكاراُ على رؤية الحقيقة لكن ماغورك يتصرف وكأنها كذلك. أن العديد من العراقيين يرون المغالاة بتقديرات المساهمة بأنها مجرد المرحلة الأولى في تزوير الأنتخابات، والتي تعودنا عليها من الإنتخابات السابقة.
.واليوم عاد ماغورك إلى بغداد من أجل طبخ صفقة جديدة تتعامى على الفساد والتزوير

كنا نتوقع أن تؤدي الإنتخابات إلى التغير السلمي للسلطة لكنها تحولت إلى مجرد ختم لأستمرار الوضع القائم وأداة للتستر على فساد المسؤولين الكبار، ولهذا السبب بالذات قاطع العديد من العراقيين هذه الإنتخابات. ومن المحزن أن نرى مبعوث الرئيس الأمريكي وهو يقوم بدور الشيف الرئيسي لهذا التحول القبيح.

ينبغي أن يبعد بريت ماغورك عن دور التأثير في الشأن العراقي وأن تعاد الإنتخابات تحت إشراف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

أن إجراء إنتخابات نظيفة تحت الإشراف الدولي لا ينفع العراق فحسب، بل سوف يكون رائداُ لجميع شعوب المنطقة والتي يعاني جميعها من أحكام غير ديمقراطية

أعتذر لفنان الكاريكاتير المبدع منا نيستاني لتغير العلم

The End

Fire McGurk

May 13th, 2018

Brett McGurk is the special US presidential envoy to Iraq, he is well known for his cosy relationship with Iranian sponsored Iraqi politicians such as Maliki.

Please don’t get me wrong, there is nothing wrong with having a good relationship with potential adversaries who might drag you into long, costly and fruitless confrontations. Before his election, Pres. Obama declared a policy of full military withdrawal from Iraq. Full withdrawal from Iraq could not be achieved without coordination with Iran, McGurk had the right ideas and was the right man for the right job then.

Now the situation is different. The Iraqi elections which ran today was controlled by the “Independent” High Electoral Commission, composed proportionately by the most corrupt political parties in the government. Reports from branch stations indicate dismal participation; mostly no more than 30%. However, just before closing the polls the official word from the High Commission came out with an overall participation figure of 45%.

This raised a red flag to me because most of the Iraqis I know boycotted this year’s elections (I did participate and I have the inked finger to prove it!).

The Iraqi Elections High Commission has no monopoly over truth but McGurk acts as if it does. To many Iraqis the over estimation of participation is just the first stage of election forgery which we have seen all too clearly in previous elections.

McGurk is back in Baghdad today to start cooking another turn-a-blind-eye deal to corruption and fraud.

Elections were expected to be the tool to peaceful change, instead they became no more than a rubber stamp for the status quo and a cover up to corrupt high officials, this is why so many Iraqis did not bother to show up at the election stations. It is sad to see the envoy of the POTUS as the chief cook to this ugly transformation.

To restore faith in democracy Brett McGurk should be removed from influencing Iraqi affairs and the elections should be re-run under the supervision of the UN Security Council.

A clean UN run elections in Iraq is beneficial not only to Iraq but to the peoples of the region, all of whom suffer from undemocratic regimes.

Apologies for the flag alteration to the original cartoon artist Mana Neyestani.

The End

أفكار إنتخابية

February 19th, 2018

بمناسبة الإنتخابات النيابية العراقية القادمة أدعوكم لأختيار قائمة رقم 106 التحالف المدني الديمقراطي للدكتور غسان العطية وأقدم ملخصاً لبعض الأفكار التي سبق وأن قدمتها بتفصيل أعمق أو بشكل مختلف بعض الشيء، عسى أن يعيد طرحها أحد المرشحين في الإنتخابات.

عاش العراق على مر العصور بتعددياتة الدينية والعرقية وهي آمنة في مناطقها تمارس طقوسها وتنفذ أحكامها على أتباعها. أن ما نراه اليوم من إقصاء وتسلط هو بدعة جديدة جائت نتيجة لظروف وقتية من إفتقار للأمن وليس من أصالة في المجتمع العراقي أو الدين الإسلامي. ندعو لإعادة صياغة الدستور بالرجوع إلى تقاليد وقيم إجتماعية محلية من خلال إستشارة علماء الإجتماع والتاريخ .

قال علي بن أبي طالب عليه السلام “القرآن حمال أوجه”، وعمم علي الوردي المقولة بأن الدين حمال أوجه، ومن ناحية أخرى فالسياسة ليس لها دين وهي في النهاية مقارنة بين أوجه قد تكون بعضها أو في مجملها مقبولة دينياً، فالدين صحيح والسياسة دقيقة وكل منهما يخدم حاجة مختلفة في المجتمع ولا مجال لإحلال أحدهما محل الآخر.

القرآن حمال أوجه والوجه الليبرالي أقربها نفعاً للمسلمين، لذا فهو الأصلح لحماية مصالحهم وأرواحهم في العصر الحاضر.

تقهقر البناء السياسي للدولة مع كل تغيير جاء بعد 14 تموز وتعاقبت الدكتاتوريات من سيء إلى أسوأ. إن الذين يدعون بأن الحل يأتي مع تنصيب دكتاتورية جديدة تعمل في صالح الوطن إنما يتجاهلون الواقع السيء لجميع الدكتاتوريات السابقة ويحلمون بقدوم شخصية خيالية لتنفيذ مهمة مستحيلة. أن الخلل لا يحله فرد أو مجموعة صغيرة من الأفراد، فالخلل هيكلي لا يحله إلا إعادة تأهيل مؤسسات الدولة بصورة جذرية، والإعتماد على دكتاتور جديد يفترض أنه سوف يعمل لمصلحة العراق الواسعة وليس لمصلحته أو لمصلحة حزبه أو مكونه الضيقة ليس سوى مخاطرة ساذجة لا يساندها الواقع التاريخي .

هنالك وقائع بحصول التزوير في جميع الإنتخابات السابقة ولا شك بأن التزوير هو فساد مباشر ويساهم في دعم الطائفية، لذلك فنزاهة الإنتخابات شرط أساسي لمحاربة الطائفية وإختيار قادة الهيئات القضائية والإدارية بالإقتراع المباشر وسيلة ضرورية لمحاربة الفساد. مشاكل الديمقراطية تحل بالمزيد من الديمقراطية وليس بإلغائها أو بالإنقلاب العسكري الذي يأتي بإداريين يتمتعون بإسناد الحاكم وهم بذلك لا يخضعون للحساب. الدكتاتورية سوف لن تحل مشاكلنا.

الدولة الاسلامية والجمهورية الاسلامية والدولة العبرية جميعها دول دينية إقصائية لبقية الأديان تعود أسسها لعصور خلت وليس للقرن الحادي والعشرين. وجود هذه الدول الدينية يشكل بيئة مساعدة لبعضها البعض رغم العداء السافر بينها، فالتطرف يساعد التطرف المعاكس لكننا لا ندَعي بأن إحدى هذه الدول قد خططت أو تعمدت دعم دولة دينية أخرى، فهذا الإدعاء لا يسانده الواقع وهو لا يخدم سوى دعاة نظرية المؤامرة. نحن ندعو لمجابهة الأنظمة الدينية ليس من خلال إعتماد الدين أو الطائفة إنما بالرجوع إلى أرضية وطنية وقومية.

ساهمت الولايات المتحدة من خلال دعمها الطويل الأمد للدولة العبرية في خلق البيئة المناسبة لتطور الدول الدينية في منطقة الشرق الأوسط وأدت سياساتها قصيرة الأمد في العراق من خلال الشراكة الفعلية مع الجمهورية الإسلامية إلى عدم الإستقرار في المنطقة وهدر موارد العراق، وبذلك تتحمل المسئولية لأعادة البناء والتحرك في العراق والمنطقة من خلال الشرعية الدولية.

الشعوب الأيرانية والتركية شعوب شقيقة تشاركنا الأصول الدينية والعرقية والثقافية والقيم، ولا شك أن كلاهما قد إستفاد من هدر الأموال العامة منذ الإحتلال، لكن يبقى الواقع التاريخي لمجتمعاتنا أقوى وأعظم أهمية من المواجهات الوقتية. المواجهة مع الجيران ينبغي أن تكون محدودة بحيث لا تتعدى مصلحة الشعوب.

أن المواجهة المكشوفة مع دول الجوار يسئ إلى مصلحة شعوب المنطقة ويهدر الموارد ويدعو إلى تدخل الدول الأجنبية ويسبب عدم الإستقرار وينشر الخوف في مجتمعاتنا.
أرى أن سياسة صدام حسين في الحرب سابقا وسياسة المملكة العربية السعودية في التدخل المكشوف في اليمن وسياسة تركيا في تعقب مواطنيها عسكريا داخل الأراضي العراقية حاليا جميعها من قبيل السياسات الكارثية الإنفعالية ذات الأهداف القصيرة الأجل والتي تصدر المشاكل الداخلية لهذه الدول إلى جاراتها، والحلول الحقيقية تكمن في معالجة الأسباب الداخلية التي أدت إلى إفساد علاقات حسن الجوار، هذه العلاقات التي كانت إحدى ركائز السياسة الخارجية في العهد الملكي في العراق.

The End