الديمقراطية بين الإستحقاق الإنتخابي والنضالي

January 22nd, 2012

الإستحقاق النضالي يعمل تحت سطح الأحداث لكنه ذو ظواهر ودلالات واضحة، ولا نزعم أن المجتمعات الغربية المنفتحة تخلو منها لكنها محدودة ومحصورة في دائرة ضيقة من مناصب وإمتيازات لأشخاص قريبين من القادة أنفسهم من رؤساء وقلما تصل إلى نوابهم والوزراء والمدراء كما هو الحال عندنا. وكثيرا ما يلعب الإستحقاق النضالي دورا لا يستحقه في التعيينات والإمتيازات التي يغدق بها سياسيونا ونوابهم وأتباعهم على حسبائهم ونسبائهم.

لم يتوقع العديد منا هذا الإنتشار للمحسوبية والإستحقاق النضالي بعد الإحتلال لأن الفضل في الخلاص من حكم الدكتاتور لا يعود لنا ولم يساهم المناضلون العراقيون إلا في إدوار هامشية لا تبرر إستحقاقاتهم الواسعة وإبعاداتهم لكل من لا يتفق معهم في الدين أو في الإعتقاد السياسي، لذلك أعتقد البعض بأن الخلاص من طرف خارجي يساوي بين الجميع في الإستحقاق ويتيح الفرصة أمام الديمقراطية لكن سياسيونا ساروا في طريق آخر. فقد جائت الأحزاب التي لا ترى في الديمقراطية سوى وسيلة للوصول للحكم، وبعد أن تصل إلى سدة الحكم لا ترى أنها مدينة للديمقراطية التي جائت بها بشئ، بل تعتبر أن وصولها للمراكز القيادية هو تنفيذ لإرادة إلهية وليس بسبب حيازتها لثقة الناخبين الذين قد يسحبوها من تحتهم إذا لم يوفوا بوعودهم أو يسيئوا إستخدام سلطاتهم، ثم يستمروا بالحكم معتمدين على شرعية إلهية تشبه ملكة بريطانيا التي تستمر في منصبها الرمزي لمشيئة الله، أي بمنطق أن الله قد وهبهم الحكم بالإستحقاق النضالي ولو لم يكن مقدرا أن ينالوا الحكم لجاءالله سبحانه وتعالى بغيرهم، وهم في إستبدادهم وجرائمهم إنما يمثلون إرادة الله التي لا ترغب في إستقدام قائدا يقل عنهم شأنا ويعتقد بالإستحقاق الإنتخابي وليس النضالي.

أن علاج الوهم وجنون العظمة هذا ليس عند الأطباء النفسانيين، ولن يتمكن أي تعديل دستوري أو حكم قضائي بإحداث صدمة تعيد العقلانية لهؤلاء. بل أن الوهم الذي يعيشه سياسيونا له مبرر واقعي، فالعملية السياسية التي أدت إلى إنتخابهم جائت بثقوب عديدة وكانت ولا تزال مفتوحة أمام التأثيرات الخارجية، لذلك نرى حكامنا يتسابقون في كسب ود دول الجوار ولا يعيرون أهمية ولا إحتراما لرأي الناخبين، ولو حصلت التجاوزات التي تحصل لدينا في المجتمعات والدول الديمقراطية لما دام تكبر وغرور الحكومة لأكثر من دورة إنتخابية واحدة. والسياسيون يعون ويعتمدون على الدور الخارجي ويرون فيه المصداقية والعامل الأساسي في إستمراريتهم في الحكم والذي يفوق في أهميته سخط الناخبين وتظاهرات المعارضين.

والعلاج يكمن في إعتماد الإستحقاق الإنتخابي والرجوع إليه في حالات التعيينات في المراكز التي تستدعي الحيادية والنزاهة مثل القضاة واللجان الرقابية والمراكز الإدارية العليا، والمراكز التي تستدعي صفة مهنية يترك التعيين فيها للتصويت المفتوح في النقابة المختصة . لكن الأهم من كل ذلك هو ضمان نزاهة العملية السياسية بالأشراف الأممي المباشر، فالعقول التي تؤمن بأن المناصب السياسية جائت نتيجة لهبة إلهية وبديمومة وبالإستحقاق النضالي لن تتوانى عن المساس بالإنتخابات والتحالف مع من يشاركهم في إعتقاداتهم أينما وجدوا.

The End

حسابات حذف الأصفار

December 11th, 2011

تتناقل وسائل الإعلام أنباء عن نوايا حكومية لإستصدار عملة عراقية جديدة يتساوى فيها 1000 دينار عراقي قديم بدينار واحد جديد، والفكرة ليست جديدة وسبقتها أمثلة من دول أخرى تعرضت للتضخم الشديد لكن التوقيت الحالي وحوادث تأريخية سابقة تجعلنا نتسائل عن دوافع ومسببات خارجة عن المألوف.

لا يخفى عن العديد من القراء المحترمين المتابعين للأخبار في عهد الدكتاتور صدام ماقيل في العملة العراقية وتداولها في الخارج: فهي ترتفع قيمتها مع كل محاولة إنقلابية جديدة، فإزدياد الطلب بهدف شراء الذمم للتحضير للإنقلاب يؤدي إلى إرتفاع السعر في وقت غير متوقع مما يثير حفيظة المخابرات العراقية ويفضح خطط الإنقلابيين قبل التنفيذ. وحدث بعد أن قامت إحدى دول الجوار بشراء كمية كبيرة من العملة العراقية بهدف تمويل الإنقلاب أن قام صدام بطبع عملة جديدة وبنفس الوقت ألغى سريان العملة القديمة، وبذلك أصبحت خزائن دولة الجوار مليئة بالعملة العراقية التذكارية لكنها بلا قيمة مالية وأمست خطة الأنقلاب في خبر كان .

إذا وضعنا ما سبق إلى جانب خشية الحكومة الحالية من الإنقلابات والذي عبرت عنها بمناسبات عديدة نجد أن سياق الأنقلابات هو أحد الإعتبارات المعقولة والمهمة لقرار حذف الأصفار في الوقت الحاضر. فالحذف يسحب البساط من تحت الجهات التي لديها كمية كبيرة من العملة من أجل المضاربة والربح أومن أجل تمويل مؤامرات مزعومة، وفي نفس الوقت يفسح المجال للتغطية على الفساد المستشري ويفتح صفحة جديدة لحكومة أسائت الإنفاق لدرجة مأساوية.

لكن مخاطر الحذف هي في نفس أهمية المزايا، فتغيير العملة قد يقوض ثقة الجهات الممولة والمستثمرة في الأقتصاد العراقي مما يؤدي إلى إنخفاض سعر الصرف وضعف قابلية الحكومة على الإستدانة ثم إرتفاع الأسعار في وقت يعاني فيه المواطن من البطالة والفقر وقلة الأمن والأمان.

ومن ناحية أخرى وبسبب وجود تدخلات دول الجوار لنا أن نتسائل إذا كان القرار يعود فعلا للعراق وحده أم هو مجرد قذيفة أخرى في التصادمات بين أيران والولايات المتحدة، أي أن التوقيت والحبكة للإستفادة من تداعيات هذا القرار قد جائت نتيجة لأعتبارات وموازنات خارجية، وفي هذه الحالة قد يوفر الفرصة للمزيد من الهيمنة الأيرانية نتيجة لألغاء أو إعادة تقييم للمبالغ الهائلة من العملة العراقية التي في حوزة الخزانة الأمريكية.

The End

الفساد اللعين

November 27th, 2011

قال صديق مطلع على مجريات الأمور في العراق ما يلي:

 وزارة التجارة هي وكر الفساد في العراق وكل من يدخلها لن ينجو من الفساد..أول الوزراء كان أستاذا للقانون حتى فاز في أنتخابات 2005 مما أهله لإستلام وزارة وكانت التجارة من نصيبه..الثاني كان متخصصا بالكيمياء لكنه عمل محررا في شؤون الدفاع والأسلحة.. والثالث كان موظفا ومهندسا معروف بحسن السلوك والنزاهة والأمانة لكنه لم يبق في الوزارة سوى ستة شهور قبل أن يدركه الفساد اللعين. الموظفون الصغار أكثر فسادا وهم يورطوا الكبار خصوصا إذا لم يستجيبوا لهم، وقد حصلت حالة رفض فيها المسؤول الكبير المشاركة في سرقة المال العام فما كان من الموظف الصغير إلا الشكوة بأن الكبير مشارك في السرقة. وقف المحققون بجانب الفاسد الصغير وطرد الكبير النزيه من منصبه لكي ينصب آخر أكثر إستعدادا للتعاون في الفساد.

أول ما يجول بخاطر المرء هو الإحباط، فحالة كهذه لا يبدو لها حل، لكن دوام الحال من المحال وتسييس القضاء وإدارة الدولة لايمكن أن يدوم. لذا فأنني أتوجه بسؤالي للقارئ الكريم: ما رأيكم كيف ستكون نهاية الفساد؟ هل سينتهي بتغيير الحزب الحاكم؟ أم نظام الحكم؟ أم بنهاية الإحتلال التي تبدو لواحة على الأفق؟

أنني أعتقد أن الظروف الحالية التي تختلف عن الماضي من الأتصالات السهلة ووفرة المال السائب الذي لا يصيب إلا الأقربون والأوضاع السياسية الأقليمية قد تساعد في إنهاء الفساد، فهل أنتم متفائلون أم متشائمون؟

The End

الزعيم المثالي للعراق

November 6th, 2011

إستوقفتني مقالة كتبها فهمي المدرس في 1931 وأشار لها نبراس الكاظمي تقارن بين إنجازات مدحت باشا والي بغداد في 1869 وبعدها لثلاث سنوات وما حققته الملكية خلال العشر سنين الأوائل لحكمها في العراق وقال في وصف دهاء مدحت باشا:

“تتلاشى أمامه الصعاب ويستوى عند صاحبه الموت والحياة، فيحتقر اللذائذ ويركب الأخطار ويأتي بالخوارق والمعجزات فمن تكييف وتجديد وأيقاض الى تكوين وإنهاض وإسعاد يحاسب على الأنفاس المعدودة ومن نفسه عليه رقيب عتيد..وما الطعام والشراب والنوم والحركة -بإعتقاده- إلا وسائط للقيام بهذه الواجبات..فلا تستهويه الشهوات ولا تغره السمعة ولا تخامر عزائمه المنة. يقنع بالبلغة من العيش، لا يريد جزاء ولا شكورا.
يأتمر عقله الرزين ويستشير ضميره الطاهر ولا يخضع لغير الحق والعدل فيبعث من الأموات أرواحا تصارع الأقدار ويطوي الزمان والمكان طي السجل للكتب. ذلك هو المثل الأعلى وذلك هو (مدحت باشا) أبو (الأحرار). والفرق بين المثلين الأعلى والأدنى هو أن الأول يعيش لغيره والثاني يعيش غيره لأجله، والأول مطبوع على الخير والصلاح والثاني مفطور على الشر والفساد.”

لم تحفزني المقارنة مع المغفور له فيصل الأول فهو قد بنى دولة المؤسسات المدنية وعمل من أجل العراق المستقل وما نقد المدرس إلا شهادة تقدير لعصر ساد فيه المخلصون، لكنني وجدت أن تعريف الزعيم المثالي في ذلك العصر لا يناسب متطلبات عراق ما بعد الإحتلال، فقد توالى الحكام منذ حكمت باشا مرورا بالعهد الملكي ثم الجمهوريات وكان من بين الحكام الكثيرين من الذين أسسوا المستشفيات وساعدوا الفقراء ونظموا الجيش وثبتوا الأمن، تماما كما عمل مدحت باشا لكنهم لم يزيدوا عليه بإرساء مبادئ التعاقب السلمي للسلطة والشفافية التي تؤدي الى محاسبة المسيئين في إستغلال السلطة، فالمبدأ المتبع حين يستحوذ أحدهم على وزارة أو وظيفة عالية هو: أنا جئت بذراعي ولن أترك منصبي إلا مرغما. فالزعيم المثالي عند جيل المدرس هو ملك في طيبته ومثال إفلاطوني ثابت ولا يوجد شيئ أو أحد يحاسبه لكن الزعيم المثالي في القرن الحادي والعشرين يتقبل المحاسبة و قوته تتغير وتستمد من سمعته و شعبيته عن طريق صناديق الإقتراع.

لابد أن يقودنا ما سبق للمقارنة مع ما نراه ونقرأه من أحداث وسياسات حكومية في الوقت الحاضر، نرى أن الحكومة تعمل في إطار أبدي مطلق لا يقبل المحاسبة ولا المعارضة، وهي في مخيلة روادها مثال الخير والشجاعة تأتي بالخوارق والمعجزات ويتبعها المقلدون لحكمتها، لكنها في الواقع تعيش في إطار الماضي وتتبع وصفات في الحكم عفى عليها الزمن من شراء الذمم والإكراه والفساد وثبت فشلها أمام علوم وتكنولوجيا الإتصالات في العصر الحاضر.

The End

توقيت الأنسحاب وتداعياته

October 30th, 2011

يتغاضى البعض عن أهمية التوقيت في دفع العملية السياسية في حين أن الأحداث تثبت أن التوقيت هو من أهم العوامل التي تحدد النتائج، فقد رأينا كمثال على ذلك كيف أن توقيت تشكيل الحكومة العراقية بعد إنتخابات آذار مارس 2010 قد تأجل لحين ظهور التحالف الذي يحضى بموافقة دول الجوار. لقد كان التأجيل وليس نتائج الأنتخابات هو العامل الأساسي في تحديد الحكومة الحالي.

ويأتي توقيت الأنسحاب نتيجة لإعتبارات داخلية وكنتيجة فرضت على الأمريكان، بل أن الإنسحاب التام بهذا الشكل لم يكن متوقعا أو متعمدا على هذا النحو لدرجة أن بعض المستشارين تجاهلوا تماما في حزيران يونيه الماضي إمكانية رفض العراق التام للتمديد وتوقعوا خيارات الأستمرار لدرجات مختلفة. ولكن رغم وجود عوامل خارج سيطرة الولايات المتحدة ليس بوسعنا تجاهل أهمية توقيت الأنسحاب الآن وليس قبل سنتان مثلا أو بعد عشرة أعوام. فالآن نجد الربيع العربي في أوج حيويته وبالأخص التحدي الشعبي السوري لسلطة البعث والذي تقف حكومتنا منه بموقف الضد، وهنالك المتابعات الأيرانية والتركية المتزايدة للمعارضة الكردية على الأراضي العراقية وهنالك التدهور الأمني المستمر والدعوات للامركزية الحكم التي لم تسبق من مناطق السنة، كل هذه أمور تشكل من إنسحاب الأمريكان في الوقت الحاضر تحديا شديدا للقوى والأحزاب الحاكمة التي وصلت بمساعدتهم .

والجهتان الأساسيتان اللتان تتأثران بالأنسحاب هما حكومة الإقليم التي لم ترغب بالإنسحاب إطلاقا والحكومة المركزية الواقعة بين مطرقة تحالفها مع التيار الصدري وسندان الجذب الأيراني، وكلاهما لا يحبذ بقاء الأمريكان.

فحكومة الكرد تحتاج للدعم الأمريكي كحاجة الطفل الرضيع لثدي أمه لكن الأكراد وخصوصا طالباني قد أعطى إيران الكثير ولم يستطع أو لم يشأ حليفه البرزاني منعه من ذلك، وهذا يجعل التحدي أمام الكرد لكي يعلنوا عن قيام دولتهم في وقت فقدوا فيه دعم حليفهم القوي، أو فقد حليفهم الإرادة لدعمهم في الوقت الحاضر. ومن المفارقات أنهم قد إستحوذوا على 4500 دبابة من الجيش العراقي بشهادة قائد أمريكي لكنها لن تنفعهم في مواجهة مع القوتان اللتان تشكلان تهديدا حقيقيا: تركيا و أيران في المناطق الجبلية الوعرة. لذا يمكن القول بأن الأنسحاب الذي خلق فرصة لأعلان الدولة الكردية جاء في وقت غير مناسب فقدوا فيه دعم الحليف وفائدة مدرعاتهم.

أما الحكومة المركزية فهي لا تستطيع درء مخاطر الأرهاب والأستمرار بدون مساعدة خارجية وليس هنالك من إرادة للدعم إلا من إيران، لكن زيادة نفوذ إيران تحت الظروف الحالية هو الآخر محفوف بالمخاطر وسوف يدفع بزيادة حدة المطالبات باللامركزية ويظهر الدور الإيراني على المكشوف ويعرضه للمواجهة كقوة محتلة. لكن أكثر التحديات جدية بنظري هو العامل الأقتصادي، من ناحية تعامل الأمريكان والمجتمع الدولي مع العراق سوف يكون أكثر تصعبا ومن ناحية أخرى تأثير العوامل الأقتصادية على المجتمع من الداخل وعلى الوضع الأمني قد يزيد الوضع السيئ سوئا.

أن إستمرار بقاء الأمريكان مع الحصانة لم يعد وضعا مقبولا لكن الأنسحاب الكامل سوف يضع حكومة الأقليم والحكومة المركزية أمام خيارات صعبة لن يمكن معالجتها بالعقلية الضيقة التي سادت الممارسات السياسية في السابق.

The End

المظلومية وليست الطائفية

August 20th, 2011

تكثر هذه الأيام المقالات التي تهاجم الطائفية وتتهمها بكل ما يجري من أمور سيئة في العراق، لكننا نرى أن الطائفية بحد ذاتها لا تسبب الكوارث فهي موجودة عند جميع المجتمعات الدينية وتمارس بتعقل وبلا أذى للآخرين، ناهيك عن المطبات الأخرى التي تترتب على تحميل الطائفية وزر الفساد وإنعدام الأمن والسياسات الأستبدادية، إذ لو تسائلنا ماهي الطائفية؟ هل هي تعيين الأقارب؟ أم إمضاء العقود المزيفة؟ أم تنحية الموظفين والأساتذة الأكفاء وتعيين أعضاء الحزب الحاكم في مناصبهم الأدارية؟ هذه كلها موجودة لدينا ولكننا لا نستطيع بكل أمانة أن نصفها بأنها وبحد ذاتها من الطائفية رغم سوئها ودلالاتها.

كلنا طائفيون ولا عيب بذلك، ورجال الدين بلا إستثناء ورغم إجتهاداتهم وإدعائهم بالعكس فهم طائفيون بالضرورة، فلولا إنتمائهم الطائفي لما تقدموا في مراكزهم الدينية، ونحن حينما نتعبد بطريقتنا الطائفية لا عذر لنا ولا إعتذار فنحن حينها نتصرف بطريقة طائفية. لكننا لا ندعي المظلومية وهنا بيت القصيد. المظلومية لا تعني الطائفية ولا ترتبط بطائفة دون الأخرى، فالذي يعين أقرابائه وجميع أفراد أسرته لا يستطيع تبرير عمله هذا إلا بالمظلومية، أي أنني وعائلتي مظلومين ونستحق التعويض بالمناصب والإدارات، والرشاوي والعقود السمينة لا توزع على قاعدة طائفية أو قومية لكن على إستحقاقات المظلومية، والإستحقاق الحزبي بمناصب الدولة التي ينبغي أن توزع حسب الكفائة هو من المظلومية وليس الطائفية إذ هو الآخر يستثني من هو ليس مساندا للحزب الحاكم.

المظلومية ليست في العراق فحسب، فهنالك الهنود الحمر والأمريكان الأفارقة واليهود الأسرائيليين والفرنسيين في كيبيك وبعض الأقليات وجميعهم يشتركون بشعور قوي من المظلومية وكثيرا ما يطالبون بتعويضات خيالية لما أصابهم من مصائب منذ مئات السنين، ولكن لا تنجح عادة مطالبهم هذه إلا بإستعداء التيارات السياسية المعتدلة وإبعادهم عن النفوذ السياسي.

تعمل آلية المظلومية بلا إستحياء ولا إكتراث للقيم الديمقراطية والعدالة، فإن سرق أحدهم أو قتل أو هجر وإعتدى على حرمة جاره فهو منا ويسانده إخوته ظالما كان أو مظلوما ولا شيئ يعوض عن الظلم التاريخي الذي يجمعنا. وتعمل الشراكة في المظلومية على تدمير القضاء والردع حيث أن إستثناء المقربين والمشتركين في المظلومية من العدالة يقوض آلية الردع فلم يعد أحدا يخاف من المحاكمة فكلها تبدو مسيسة أو مشتراة.

لو أردنا تحديد صفة واحدة تتصف بها الممارسات الخاطئة في عراق ما بعد الإحتلال لما إستطعنا إستثناء المظلومية من طابور الإشتباه.

The End

كيف يمر بعير المدربين من ثقب الأبرة؟

August 7th, 2011

يتسائل الكثيرون عن كيفية التمديد لبقاء القوات الأمريكية في العراق وهل هو ضروري حقا؟ والمعادلة سهلة الفهم لكنها حساسة وصعبة الحل لأن الواقع الواضح هو أن العراق ليس لديه القابلية على الحفاظ على حدوده وسمائه وقواه الأمنية ضعيفة وجيشه غير مكتمل، والمعادلة حساسة لأنها تحتوي على حسابات الثقة بدول الجوار والتي يبدو أن لا أحد يريد الخوض فيها بصراحة. ونظرا لصعوبة الحل فقد طرحت الحكومة بديل تغيير الوجود العسكري الأمريكي الى صفة المستشارين أو المدربين حالهم حال أي من المتعاقدين بعقود التوريدات المدنية مع بعض الإضافات التجميلية التي لا ترقى الى العمل العسكري المستقل داخل العراق. وتداعيات هذا السبيل على الموقف عموما هي خليط من المستحسن والسيئ وينبغي دراستها بتأني. فمن ناحية يلغي هذا التغيير صفة الإحتلال تماما ويضع المسؤوليةعلى عاتق الحكومة العراقية لتوجيه وتغيير المستشارين ومحاسبتهم تحت القانون العراقي، ومن ناحية أخرى فأن المسؤولية المالية تقع على عاتق الجانب العراقي وأنني أعتقد أن بعض الأمريكان يتمنوا حلا كهذا لكن توقع السداد من العراق لخدمات تدريبية لن يؤدي إلا الى خيبة الأمل عند الأمريكان و قد يؤدي لدى العراق للإعتماد على خدمات غير تدريبية بديلة من دول الجوار ومن مصادر مشبوهة. لكن الإعتبار الأهم هو في فقدان المصداقية، فالعراق لديه الكثير من الطاقة البشرية وصفة المدربين أو المستشارين غير حقيقية ولسنا بحاجة للتذكير بالفساد المرتبط بعقود التدريب في السابق، لذا نرى أن من الصعب نفاذ بعير المدربين من ثقب الأبرة.

لنا أن نتسائل عن بدائل أخرى نراها أكثر واقعية ويراها غيرنا غير ذلك. لابد من نهاية الإحتلال من ناحية ولابد من حماية الحدود والأجواء من ناحية أخرى، لذا ندعو لتغيير العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة والعراق الى علاقة متعددة الأطراف تحت مظلة الأمم المتحدة بحيث يستعاض عن بعض القوات الأمريكية بقوات عالمية مختلطة وبتفويض واضح وتكاليف مغطاة. يعطي هذا البديل مجالا لتوفير الحماية الدبلوماسية ومساهمة قوات تتفاهم مع مكونات الشعب العراقي وسوف يفتح تفويض الأمم المتحدة مجالات التعاون في التعداد السكاني الذي تجد الحكومة الحالية صعوبة في تنفيذه، لكن العائق الأكبر أمام هذا الخيار يبقى من طرف الولايات المتحدة التي تريد حماية “إستثماراتها” في العراق بمفردها ولا تريد شركاء في الواقع رغم أن الرئيس أوباما نادى بالمشاركة الدولية قبيل أنتخابه. قد يكون هذا البديل ليس مطروحا ولا يتمتع بالتجاوب الواسع لكنه يرد على التساؤل كيف ينفذ البعير بكل بساطة: أرفعوا علم الأمم المتحدة بدلا عن الولايات المتحدة فوق القوات العسكرية.

The End

حساب جكليت

July 31st, 2011

جائني فيديو من عدة أطراف بعنوان أكبر سرقة بالعراق يصور سيدة عضو سابق من أعضاء المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات وهي تحاسب رئيس المفوضية الذي أقالها حسابا عسيرا على تبديده لأموال الشعب، من صرف تكلفة وقود المولدات الى دفع فاتورة ليلتين في فندق بالسليمانية بدون وجه حق الى شراء ستة تلفونات جوال.. وغيره من حساب الجكليت وبناء على عدم أمانة هذا الرئيس المكرود المبتلي وتبديده تكلفة النثريات بالمقارنة مع ما ينهب بدون رقيب يطلب إقالة المفوضية العليا بأكملها وإبطال عملها فورا وبلا تأخير، علما بأن المفوضية تنتهي مهمتها طبيعيا بعد ثمان شهور وسيعاد اختيار أعضائها حينذاك. ومن المضحك المبكي أن السيدة تشتكي من وجود غير العراقيين للإشراف على عد الأصوات وكأن الفساد لا يمكن أن يطول العراقيين. ولكن الواقعة الأساسية والتي هي هدف حساب الجكليت كانت في محاولة عزل المفوضية بالتصويت في مجلس النواب والتي إنتهت بالفشل وتشنج السيدة المذكورة وأعضاء حزب الحكومة، والأنطباع السائد هو أن بعض أفراد الحزب الحاكم قد فقدوا السيطرة على أعصابهم وأخذوا يهددون الكثيرين بما فيهم مام جلال رئيس الجمهورية . وما سبق ذلك أن مجلس الوزراء الموقر قرر إلحاق جميع الهيئات المستقلة إداريا بالمجلس، وفي هذا السياق تفهم هذه الأحداث على أنها محاولات تؤدي الى فقدان إستقلالية الهيئات الرقابية وتعزيز سيطرة الحكومة على مفاصل الدولة والعملية السياسية.

تذكرت فضيحة أعضاء مجلس العموم البريطاني قبل بضعة شهورالذين صرفوا مبالغ نثرية من الدولة لتغطية تكاليف سفر ونفقات إقامة ومأكولات مبالغ فيها كما هو الحال مع حساب الجكليت عندنا، وقد حوسب الأعضاء البريطانيون منفردين، أي كل على قدر تجاوزاته، وفيهم من أرجع المصروفات التي صرفت بغير وجه حق وفيهم من عوقب بالحبس ومن فقد منصبه ولكن لم يكن أحدا يطالب بإغلاق مجلس العموم أو سحب الثقة إعتباطيا من جميع المتهمين.

أن مفوضية الأنتخابات هذة قد تم إختيار أعضائها من قبل البرلمان المنتخب ومن مهماتها الإشراف على الإنتخابات وتحديد مواعيدها والأعلان عن نتائجها، وحسب القانون فأن البرلمان يحتاج الى أغلبية مطلقة (أي 163 صوتا) من أجل فصل أعضاء المفوضية، لكنه لا يحتاج إلا لأغلبية من اصوات الحضور لتسمية وتشكيل المفوضية من جديد، أي أن تصويت سحب الثقة هو إلتفاف على الدستور ولن يكون ساريا إلا إذا حصل على الدعم من 163 صوتا. ومن بين ما حدث بعد فشل التصويت على الحصول حتى على أغلبية من الحضور هو أن الحكومة لا تريد إجراء أي إنتخابات إلا لما بعد تشكيل المفوضية من جديد وقد تسعى مجددا لمحاولة سحب الثقة.

تذكرني هذه الأحداث بالقبيلة العربية التي عملت إلها من التمر فلما جاعت أكلته. أن الدستور بعيوبه هو من صنع المستفيدين والذين هم في الحكم اليوم، ونحن نراهم الآن وهم لا يتورعوا عن إفشاله وإلتهامه. عملوا الها من التمر سابقا واليوم يعملوا دستورا من الجكليت..

The End

كيف تفكر أمريكا الآن؟

July 17th, 2011

جائتني بعض الخواطر بعيد قرائة مقالة لبول روجرز في موقع الديمقراطية المفتوحة عن سياسة أمريكا في أفغانستان وكيف إنتقلت أهميات السياسة من التعامل مع الحقائق على أرض الميدان الى تحقيق الكسب الإنتخابي في إنتخابات الرئآسة المزمعة في نوفمبر تشرين الثاني 2012. وقد يكون المحذوف أكثر أهمية من المذكور أحيانا، وفي هذه الحالة لم أجد ذكرا للقاعدة البتة وقد أصبحت الطالبان وليست القاعدة شغل الولايات المتحدة الشاغل بعد القضاء على بن لادن بعدما أبعدتهم عن المساهمة في العملية السياسية وهم يشكلون نسبة كبيرة من تمثيل البشتون وهم 40% من الأفغان. أهمية ذلك أن القاعدة وليس الطالبان هي التي خططت ومولت ونفذت هجوم 9\11 وهي السبب المعلن لإحتلال أفغانستان والعراق وتساؤلاتي كانت حول تداعيات هذا التغيير في المنظور الأمريكي على الواقع العراقي.

ومما عزز هذه التساؤلات ما كتب من التعليقات في مدونة ريدار فيسر، حيث أنه يعتقد بأن سبب تكرار الأخطاء في العراق يعود الى عدم كفائة اصحاب القرار من الأمريكان في حين أن غيره قد فقد الإقتناع ببراءة الأمريكان، ورغم أن العديد من العراقيين والمصدقين بنظرية المؤآمرة وحتى المراقبين العارفين بخطط المحافظين الجدد هم جميعا يعتقدوا بأن الإحتلال لم يأتي لإحلال الديمقراطية أصلا بل جاء من أجل تحقيق مصالح أمريكية في المنطقة، لكن من الواضح أن النتائج على الساحة العراقية لم تكن عموما في حسبان أصحاب القرار ولا شئ يفسر الأخطاء المتكررة سوى العمد أو البلاهة.

من أبرز الأخطاء كانت طريقة تعامل الأمريكان مع الصدريين بالإقصاء مما يذكر بمواقفهم تجاه الطالبان، حيث أن كلاهما من مكونات الشعب التي لا يمكن إقصائها لكنهم لم يريدوا التعامل مع الأمريكان وهنا بيت القصيد؛ فيبدو أن الأمريكان أرادوا منح هديتهم من الديمقراطية لمن يتعامل معهم وإستبعدوا من لا يحبهم. قد يكون من تبريرات هذه المواقف كون الولايات المتحدة الدولة العظمى الوحيدة وثورة الأتصالات التي تسمح بإيصال رأي المعارضة أينما كانت لكن إستبعاد مكونات الشعبين الأفغاني والعراقي يأتي بتكلفة عالية ومسؤوليته تقع على عاتق الإحتلال.

تفكر أمريكا الآن بإرجاع الطالبان إلى العملية السياسية في أفغانستان لإنشغالها بالأمور الداخلية من إنتخابات وإقتصاد، لكن العراق بحاجة الى تعداد وإرجاع جميع مكوناته وضمان نزاهة العملية السياسية من أجل الإستقرار، لا مجال للمزيد من التجارب والأخطاء.

The End

هل سيعتذر المالكي لأمريكا مرغما؟

July 2nd, 2011

تناقلت وسائل الأنباء خبر سؤال السيناتور الأمريكي دانا روهرباشر للمالكي إذا كان سيساعد أمريكا في محنتها الإقتصادية أذا إحتاجت المساعدة بالمستقبل ورده بالنفي وإنزعاجه وطلبه، للوفد المرافق من السيناتورات بالمغادرة الفورية. وكان هنالك خبرا آخر تلاه بفترة قصيرة قد لا يبدو ذوعلاقة للوهلة الأولى مفاده أن الحكومة العراقية قد تبرعت بعشرة ملايين دولار لمساعدة ضحايا السونامي وإعادة البناء في اليابان.

وقد يكون خبر طرد الوفد الأمريكي غير مدروس وإنفعالي وليد الساعة لكنه أدى لخيبة أمل في أمريكا، أما في العراق فقد إغتنم البعض هذه الفرصة لرفع رايات الوطنية ومطالبة أمريكا بدفع التعويضات عن كل ما جرى ويجري في العراق من جرائم وكأن أمريكا هي وحدها المسؤولة عن عمليات القتل والأرهاب.. لكن هذا ليس بالوقت المناسب لهذه المطالبات والمزايدات على الوطنية وردة الفعل هذه تأتي من سوء الفهم لدعوة السيناتور، فأمريكا لا تحتاج دعما ماديا من العراق البائس أو تبرعا على شاكلة مساعدة ضحايا اليابان ولكنها تطلب الإعلان عن المواقف والمبادئ، والسؤال كان في سياق : هل أنتم معنا أم علينا في محنتنا الأقتصادية المتسعة؟ لكن الرد السلبي المتشنج على ممثلي الشعب الأمريكي المنتخبين قد أحرق جسور الرجعة أمام المالكي متناسيا أنه مدين لأمريكا بالكثير ومزدريا لتضحيات الجنود الأمريكان البسطاء الذين هم في قرارة أنفسهم لم يأتوا للعراق لتحقيق المنافع الإقتصادية الضيقة لكن للدفاع عن مصلحة وأمن بلادهم.

قد يكون مصدر الإلتباس في حسابات المالكي السياسية هو توقعاته بتحقيق أحلاف إقليمية تغني عن تمديد إتفاقية بقاء القوات الأمريكية في العراق، وبذلك تنتفي حاجته لهم ولا ضير من التنكر لهم، لكن الأحداث تسير نحو الأسوأ في المنطقة، فالتظاهرات في سوريا وتزايد وتيرة المواجهات بين أيران وبين جيرانها الخليجيين ووضوح نوايا المالكي بالإستئثار بالسلطة، هذه كلها عوامل تجعل من تحقيق تحالف أقليمي يضم إيران والعراق بنفس الوقت ظربا من الخيال. والنتيجة هي تضائل البدائل أمام المالكي للخروج بصيغة مقبولة لعلاقته مع أمريكا، وأحد هذه البدائل هو الإعتذار مع التفاوض المؤدي الى تمديد الإتفاقية الأمنية.

إحتمالات الخروج بإعتذار رسمي وتمرير إتفاقية أمنية جديدة تصادفها عقبات هي الأخرى، فمن ناحية شروط الصدريين وعدم رضاء الشارع العراقي والحكومي الأيراني، هذه عوامل تؤجل لكنها قد لا تمنع حصول الإتفاق، وفي النهاية لأ أرى مفرا للمالكي من الرضوخ والإعتذار مرغما لأمريكا.

The End