محنة المستقبل السياسي في العراق

March 8th, 2015

لا تزال لقطات تحطيم التماثيل الأثرية في متحف الموصل تثير أقصى درجات الرفض في الأوساط الثقافية لأعمال دولة الخليفة المزعوم ومبادئه الملتوية . لكن واقع الحكومات الدينية في العراق وأيران يفرض تساؤلاً مشروعاً وهو: هل تستطيع الأحزاب الدينية محاسبة المسئولين عن تدمير آثار تعود قيمتها للإنسانية جمعاء؟ لا أعتقد ذلك لكني لا أشك بأن المنتفعين من هذه الأحزاب سوف يؤكدوا للعالم بأنهم قادرون على محاسبة الدواعش، لكنهم سوف يحاسبون إستنادا لمصلحتهم ودفاعاً عن أعراضهم والأهم من ذلك هو عملهم في إطار الأستحقاق النضالي، أي أن حسابهم وتضحياتهم تبرر إستفرادهم بالسلطة و إستبعاد شريحة أخرى إضافة لإجتثاث البعث من العملية السياسية. وهنا تكمن محنة المستقبل.

فالأستبعاد يفاقم المشكلة ولا يحلها وهو يشكل إنتهاكاً آخر لشرعية النظام السياسي الذي لا يزال يقلص من القاعدة الشعبية التي يستند إليها، ولننظر مرة أخرى لجريمة تدمير الآثار بتمعن أكثر هذه المرة.

ما هو فحوى الرسالة من خلال نشر الفيديو لذوي اللحى المتربة وهم يضربون بمطارقهم على تماثيل ثيران مجنحة ووجوه ملوك آشورية لا ترقى لمستوى الآلهة التي يدعي بها الدواعش؟

أنها تقول: نحن لا نحترم مقدسات الغير، والرسالة في سياقها تقول: أنكم لا تحترموا مقدساتنا لذا فسوف لن نحترم مقدساتكم وهي تهديد تاريخي يفهمه العراقيون جيداً سبقه أعمال وتبعه أعمال.

ولا شك أن نبش قبور صدام وأقربائه مؤخراً تعود إلى نفس التفسير، وعلى الذين يحتفلون بهذة الأعمال ويبررونها بالمفاهيم القبلية (بالأنتقام) عليهم أن يفهموا تبعات أعمالهم، فالقبور والآثار هي مقدسات محلية وعالمية ،تدنيسها يعني تصعيد المواجهة، وإحتقار الخصوصيات المحلية وإستمرار الأستبعاد. أنها لغة مشتركة يفهمها المتطرفون والضحايا على وجه سواء.

نحن جميعاً طائفيون شئنا أم أبينا، بطبيعتنا نحتمي بطائفتنا في ساعة الخطر وكلما زاد الخطر إزدادت طائفيتنا، وهذه ظاهرة إجتماعية ثابتة أكيدة ومدروسة.وهي حقيقة يفهمها ويعتمد عليها الإستراتيجيون وتنطبق على الأحداث في العراق بتزايد ملحوظ مع إزدياد وتيرة المواجهات.

يشترك كلا طرفي التطرف في تحمل مسئولية الأستقطاب الطائفي مع سبق الإصرار والترصد، كلاهما تبنى إستراتيجية كارثية لم نشاهد نتائجها النهائية بعد لكن من الواضح أن الأطراف تسعى للمواجهة وتعتقد أنها سوف تفوز في النهاية وتستلم الدولة بالإستحقاق النضالي.

الحل يكمن في إسقاط الأستحقاق النضالي وإحلال الأستحقاق الإنتخابي بضمان نزاهة الإنتخابات، بإشراف الأمم المتحدة على العملية السياسية برمتها.

The End

شارع الخميني

February 22nd, 2015

أطلق مجلس بلدية النجف أسم شارع الإمام الخميني على الشارع المؤدي إلى المطار وأثار بذلك إهتمام ومعارضة الكثيرين من سكان المدينة والعراقيين عموماً.

وهذا الخبر لو حصل بمعزل عن أحداث أخرى لما نال ما لا يستحقه من إهتمام، فالتسمية من إختصاص المجلس وطالما لم يخالف المجلس بقراره قونين الدولة فليس لأحد من خارج المجلس فرض قرار معاكس من خلال القانون.

لكن الحدث يحصل في سياق أحداث أخرى مثل إنسحاب الصدريين من الحشد الشعبي وتصاعد التوتر الطائفي وإعتراف رئيس الوزراء حيدر العبادي بعدم قدرته على إحتواء الحشد وغيرها من أمور تشير إلى فلتان السيطرة على العناصر المتطرفة وتعاظم الدور الأيراني في العراق وتزايد إستعداده للعب على المكشوف .

الموقف معقد وله خلفيات غامضة، قد تكون خطط أيرانية كتبت حين كانت سوريا هادئة وبرميل النفط بحوالي 100 دولار، لكن الموقف أختلف الآن والحروب مكلفة والخزائن في العراق وأيران وسوريا جميعها خاوية، والعامل الأهم في المستقبل القريب سوف يكون سعر برميل البترول، إذا عاد إلى الإرتفاع فقد ترتفع وتيرة الصراع الطائفي في العراق. أنه إستنتاج غريب، نتسائل إذا كان مجلس بلدية النجف قد توصل له حين إختيار الأسم الجديد لطريق المطار.

The End

قتل الحليف سياسة الإنتحار

February 15th, 2015

أستحوذت حادثة إغتيال الشيخ قاسم سويدان الجنابي وحاشيته إهتمام وسائل الإعلام والسياسين في العراق، والشيخ المغدور كان يقوم بالتنسيق مع الحشد الشعبي في تطهير جرف الصخر من داعش وأقام تجمعا كبيراً في مضيفه قبل فترة قصيرة جمع بين الحشد ووجهاء المنطقة، أخيه هو زيد الجنابي النائب في البرلمان الحالي.

والحادثة بخلفياتها التي قد لا تذكرها بعض المصادر تتلخص بما يلي.

إختطفت سيارات عسكرية الشيخ وكان معه إبنه وأخيه وإبن أخيه وحمايتهم بعد توقفهم في نقطة تفتيش حكومية في منطقة الدورة من ضواحي بغداد الجنوبية. وسار الموكب خلال بغداد عبر عدة نقاط تفتيش بدون أن تتعرض لهم أي من القوات الحكومية. ورموا النائب زيد في منطقة الصليخ التي تقع شمال الكاظمية بعد ضربه ضربا مبرحا ثم قامو بإغتيال جميع البقية بما فيهم الحماية.

ويعتقد البعض أن الحادثة جائت إنتقاما لإغتيال النائب عن كتلة بدر أحمد الخفاجي وأنها من تنفيذ عناصر ميليشياوية تسعى لتمثيل الشيعة عن طريق تبني مواقف متطرفة.

ويعتقد آخرون أن عشيرة المغدورين حاضنة لبعض المتعاطفين مع داعش، لكننا لو أفترضنا جدلاً بأنها ممكنه لا يمكن أن تبرر قتل الحليف المقاتل في خندق الحكومة. فالتعاطف ممكن لكن القتال أكيد، والمساهمين في إغتيال الشيخ قاسم قد تركوا المواقف الأكيدة وأستثمروا جهودهم العدوانية بناءً على الممكن بلا إحتساب النتائج.

The End

التجريم بالأنتماء سلاح التطرف

February 8th, 2015

في خضم الصراع المحتدم في سوريا والعراق يسهل على المرء إتخاذ مواقف التطرف التي تجرم الأطراف الأخرى بكل ما فيها وجميع من ساندها برأي أو حتى من دافع عن حقها في التعبير أو الوجود.وجائت إستراتيجيات داعش الكارثية عموماً وخصوصاً حادثة أغتيال الطيار الأردني الشهيد معاذ الكساسبه الوحشية، جائت بدفعات قوية نحو التطرف سواء للمتعاطفين أو للمدينين لها. الخيار السهل يقع في التطرف لجانب أو لآخر، ولا أعتقد أن إدانة أعمال داعش يعتبر تطرفاً لكن هنالك بين المدينين بعض الأطراف التي تغالي في الأدانة لكنها تتغاضى عن أعمال مشابهة لها أو لحلفائها. لكن الخيارات الصعبة تطرح أمام الآلاف من المضطرين للإنتماء إلى مجموعات متطرفة بسبب الحاجة. هؤلاء هم الذين يعانون الأمرين بين إختيار أهون الشرور والتجريم بالأنتماء لجرائم ليس لهم دور في تنفيذها أو في التخطيط لها.

لا شك أن داعش قد توسعت وتضاعفت بالقوة بسبب إنتماء العديد من ضباط الجيش السابقين من ذوي الخبرة والكفائة الذين لم ينالوا إستحقاقاتهم التقاعدية أوحرموا من العمل في الدولة لأسباب طائفية ولا ينبغي التعامي عن تعداد هؤلاء الكبيرة وأنتمائهم وعراقيتهم. وفي المقابل نلاحظ أن الكثير من المنتمين للمليشيات كانوا مرغمين بسبب الحاجة وإنكار حقوقهم من سياسات صدام، وأن الكثيرين في الحشد الشعبي هم بدورهم مرغمون ماديا أو إجتماعياً، ويأتي أعترافنا هذا بلا نكران وجود أعمال القتل والإستبعاد الطائفي بقيادة سليماني وغيره من المعترفين بسلطة أيران على سير الأمور.

قد يتوهم البعض بأن التجريم بالأنتماء ينم عن قوة الحاكم وأن تجنبه هو شكل من أشكال التسامح أو ضعف الأرادة أو التردد في إتخاذ المواقف الحاسمة، لكني لا أرى ذلك. فالتجريم بالأنتماء ليس من العدالة لأن المنتمي قد لا يسعه التعبير عن إرادته برفض الجريمة. وأن توسيع دائرة التجريم لتشمل الأقارب والمعارف والشركاء الأجتماعيون هو مضيعة للموارد وتجاوز على الحقوق ولا يخدم سوى التطرف في الأطراف المقابلة.

The End

هل بالأمكان الإعتماد على الأحكام الدينية في الحكم على المعتدين بإسم الدين؟

January 11th, 2015

أثارت أحداث باريس الأخيرة والتي قتل فيها العديد من رسامي الكاريكاتير والشرطة والأبرياء، أثارت التساؤلات حول دوافع المهاجمين الذين إستجابوا للرسوم المهينة لشخص الرسول (ص) بالعنف المفرط.

والسؤال الذي على خاطر الكثيرين هو عن ماهية حكم الإسلام على هذه الأعمال؟ وهذا السؤال أصعب كثيراً من ماهو شعور المسلمين تجاه هذه الأعمال وغيرها مما يوصف بالإرهاب، والتي نجد إجاباتها تختلف كثيراً وتعتمد على شخصية من يستمع للسؤال.

طبعا لا أحد يستطيع أن ينتحل لنفسه صفة الكلام بإسم الإسلام سوى الخليفة.. وهذا أحد الأسباب التي تدفع أمثال دولة داعش وحزب التحرير إلى الدعوة لإختيار خليفة يتمتع برعايتهم. لكن السؤال الأوسع هو عن مبدأ إمكانية محاسبة من يقترف الجرائم بأسم الإسلام أو بإسم الأديان عموماً دينياً. والمشكلة ليست بإيجاد من يتكلم بإسم الدين فحسب وإنما في طبيعة الأديان كمجموعة مبادئ أخلاقية عامة سارية المفعول على مر العصور: الأخلاقيات مبادئ تميز بين الخير والشر لكنها لا تميز في المنفعة أو الضرر بين خيرين أو شرين، فهذه وظيفة الساسة أو الإداريون ونتائجها تختلف وتعتمد على عوامل وقتية متغيرة.

محاسبة المعتدين بإسم الإسلام أو الطائفة غير دقيقة إذا تمت بالرجوع لأحكام دينية، الدين يحاسب على الدوافع التي لا يعلمها علم اليقين سوى الله سبحانه وتعالى لذا فالنتائج واسعة تعتمد على جهل القاضي أو على من يستصدر إستنتاجاته إعتمادا على تفسيرات دينية فحسب. لكن النتائج الواقعية التي تسبب الضرر للمسلمين واضحة للعيان وحساب نتائجها عند الأحكام المدنية سهل.

أن الذين يدافعون عن السياسات الدينية والطائفية بالرجوع إلى عهود سادت بها العدالة أنما يتعاملون مع التاريخ بإنتقائية ضيقة، وفي المقابل فأن الذين يحملون الدين مسؤلية فساد الأمور هم بدورهم إنتقائيون في إختيار الأسباب، أما الأحكام المدنية وتفعيل مؤسسات الدولة وإستقلاليتها فهي التي تؤدي إلى النتائج المضمونة.

The End

جن سنغ

January 4th, 2015

نبات الجن سنغ معروف بخصائصه الطبية المفيدة، الشاي المستخلص من جذوره يباع في الأسواق العالمية بأسعار مرتفعة وزبائنه بين العديد من ملوك ورؤساء العالم. هنالك عدة أنواع منه وتزرع كمحصول ذو عائد مالي مرتفع في عدة دول كالصين وروسيا وكندا، لكن أستعمالته جائت أصلاً من كوريا الجنوبية والأنواع الأغلى سعراً لا تزال حصرا على كوريا.

شاي الجن سنغ منشط عام ويقال أنه يوسع الشرايين ويحسن عملية التنفس والمناعة ضد الأمراض والذاكرة وغيره من الفوائد المعروفة بالممارسة عموما في الطب الشرقي.

جذور نبات الجن سنغ

لاحظ مربي الخيول العربية من الكوريين أن الجياد السريعة التي تفوز في السباقات تتميز بإتساع صدورها وقوة تنفسها وكفائة عملية التنفس، أخذوا يقدمون العلف لخيولهم ممزوجاً بفضلات الجن سنغ. بعد فترة وجدوا أن خيولهم أخذت تتفوق على بقية خيول العالم وتفوز بإستمرار، إرتفعت أسعار الخيول العربية الكورية في المزادات العالمية وأصبحت مصدراً آخر للدخل عن طريق التصدير.

هذه بضائعنا بعناها بسعر بخيس رجعت إلينا وأشتريناها بالغالي، حالها حال أطبائنا، علمائنا، مهندسينا وكل من تعبت بلادنا في تعليمهم يهاجرون فنفقد معهم أجزاءً عزيزةً سوف تضطر بلادنا لأعادة أستيرادهم بأسعار مضاعفة.

The End

جاء يكحلها عماها

December 28th, 2014

تناقلت وسائل الأعلام منذ عام تقريباً نبأ عن التخطيط لترميم ورفع قبة مرقد الأمام الحسين عليه السلام نحو 7،5 متراً وذلك “لمالها من تاثيرات بصرية وروحانية مهمة”.

وقد يفاجأ القارئ العادي بأعتراضات على هذا المشروع لكنها جائت من مهندسين معماريين ذوي إختصاص، فقد مورست عمليات الترميم على مواقع مهمة في العراق وكانت النتائج سيئة للغاية، حيث أستخدم عمال عراقيين غير مدربين على الصيانة الأثرية ومواد أولية حديثة وفقدت نتيجة لذلك هذه المواقع قيمتها التاريخية.

Imam Hussain shrine

مرقد الأمام الحسين (ع).ا

هنالك طرق ومقاييس عالمية لصيانة المواقع تعتمد على العمالة المدربة ويمكن الأستعانة على اليونسكو ومنظمات عالمية للإشراف على تنفيذ هذه المشاريع.

نخشى أن تتدخل إعتبارات نفعية متخفية وراء الغطاء الديني تؤدي في النتيجة إلى تدمير المواقع الأثرية.

The End

الخوط خارج الأستكان

December 20th, 2014

هذه عبارة عراقية صميمة أصبحت شائعة ومتداولة مؤخراً على نحو كبير، وهي تعني أن فردا ما يتناول موضوعا ليس له علاقة بموضوع الحديث المتداول في المجموعة، وهو بذلك كالذي يحرك ملعقته خارج الأستكان او فنجان الشاي.

والعبارة مثل يصف واقعية المتحدث والمجموعة من ناحية وبعد الشخص الذي يوصف به عن الواقع من ناحية أخرى، لكن عدم الأستقرار الذي يعيشه العراقيون قد شوه معاني الكلمات وغير مقاصد المثل.

أجواء الخوف الذي يعرفه العراقيون جيداً إبتداءً من حكم صدام ومروراً بالأحتلال الذي قدم للمجتمع فترة قصيرة من الأمان الجزئي وإنتهاءً بممارسات المالكي وتمدد داعش قد تسببت في تضييق الأفق وتبسيط الرؤية أمام العراقي، أصبح الآن كالأنسان ذو البعد الواحد الذي لا يرى سوى ما يهدد حياته مباشرةً وحالياً. لم يعد العمل الذي يمتد لسنين والذي يحتاج للخطط الطويلة والمراحل المتوسطة من التحضير، لم يعد يبدو له وكأنه ذو علاقة لما يشغل باله من قلق على حياته وسلامة أسرته خلال أخطار تنقلاته اليومية وسعيه لتوفير ضروريات الحياة.

الذي يدعو لعقاب المخالفين وإبعاد المعارضة يجد صداً واسعاً لأنه علاج فوري لمظهر القبح لكن الذي يدعو لبناء مؤسسات الدولة يخوط خارج الأستكان. الواقع الذي يعالج الأسباب لمشاكلنا يختفي وراء أفق التهديد والشارع لا يرى أن الأستبعاد يؤدي إلى المواجهة المسلحة ويعيد التاريخ نفسه نتيجة لذلك مرات ومرات.

يخوط خارج الأستكان أصبحت جملة تقال لكي تعبر عن خوف القائل ورؤيته الضيقة وأفقه المحدود بدلاً عن واقعيته وخيالية الذي يصفه بها.

The End

الديمقراطية لماذا؟

December 14th, 2014

واجهت مجتمعاتنا الشرقية تقدم الغرب بأهتمام بالغ منذ مطلع القرن العشرين، وكانت ردود الأفعال متنوعة وتعكس طرقا مختلفة لفهم الديمقراطية منها أعمال وكتب من شخصيات قد تكون عظيمة أو مغمورة. ليس بوسعنا نقد أو تكملة الكم الهائل مما جاء به السوابق لكن تطور العلم يوفر أفكاراً وزوايا جديدة للنظر إلى مفاهيم قديمة، نحن بصدد الأعتماد على علوم جديدة لأعادة النظر نحو الديمقراطية ومحاولة إنتقاء الأساسيات الضرورية منها لملائمة ظروفنا وإحتياجاتنا الشرقية الخاصة.

نبدأ بتعريف ما نعنيه بفكرة الديمقراطية ولا شك أن هنالك من سوف يجد هذا التعريف ضيقاً أوغير كاف، لكننا نحتاج لحصر المفاهيم في زوايا ضيقة إذا أردنا أن نعتصر الأساسيات ولا نستخرج بيانا ختاميا للتعبير عن الحد الأدنى من الأتفاق على هذه الفكرة المثيرة للجدل.

تبدو الديمقراطية بالنسبة للأفراد على أنها الأستحقاق الأنتخابي لممارسة السلطة التنفيذية في الدولة. والتأكيد هنا على الأستحقاق الأنتخابي لأن ما يريده الأفراد هو التبرير المقنع للتفويض الشعبي للحزب أو القائد الذي يتمتع بالشرعية القانونية لممارسة السلطة عن طريق الأنتخابات. والأنتخابات بالنسبة للأفراد هي عملية قياس للرأي العام مبنية على مبدأ صوت واحد للفرد الواحد، الغاية منها هو تقليص أو إختزال تعددية السياسات المطروحة إلى سياسة حكومية واحدة وتكون محاسبة الحكومة على أعمالها التي تشكل تياراً فريدا من الأحداث الواقعية وليست نواياها التي تتنوع مع تعددية الطروحات.

ولكن ما يراه الفرد من المواقف والإدعاءات الرسمية لا يشير بالضرورة إلى أساسيات الديمقراطية، الأمثلة عديدة على حالات ودول تدعي الديمقراطية حيث أنها تجري الأنتخابات وتقلص سياسات مطروحة وتطابق ظاهريا على الأقل المفاهيم الفردية للديمقراطية، فالديمقراطية كمؤسسة من مؤسسات الدولة وكظاهرة هيكلية لها وظائف وأساسيات أعمق مما يراه الفرد.

الديمقراطية لها وظيفة إجتماعية ذات إتجاهين متعاكسين، من ناحية هي تخلق التنوع السياسي بدون إستبعاد أو إستثناء مبني على إعتبارات سياسية ومن ناحية أخرى هي تختزل هذا التنوع إلى إتجاه واحد ينفرد بممارسة السلطة، والمرحلة الوسطى التي توفر التنوع السياسي قبل الأنتخابات هي ما يميز الديمقراطية عن سواها ويوفر لها الشرعية.

والسؤال هو: مالذي بإمكان الديمقراطية تقديمه لمجتمعاتنا المتناحرة مما يؤدي إلى الإستقرار؟ ألم نجرب الأنتخابات والتنوع؟ ألم يؤدي تسامح القادة المتحررين إلى بروز الدكتاتوريات من بعدهم؟ لماذا ننادي بالديمقراطية الآن بعد تاريخ طويل من التجارب المريرة؟

والجواب هو أننا لم نحقق المرحلة المتوسطة من توفير التنوع الكامل بلا إستثناء ولا إستبعاد، فقد كان هنالك دائما بعض الأستثناءات والأجتثاثات والجزئية في إتباع الحكام لما شائوا من تفسيرات الديمقراطية، ونلاحظ أن السلطة التالية لما كان قد توفر من حيز للحرية الجزئية يكون دائما من أتباع أو أنصار التيارات المستبعدة، وتأتي التيارات التالية غالبا بقوة السلاح وتستلم السلطة بالأستحقاق النضالي وتستبعد جميع من والى أعدائها. ولهذا السبب نادينا بأشراف الأمم المتحدة على الأنتخابات لأن جميع من نادى بالديمقراطية من أحزابنا التي مارست السلطة أو إقتربت من ذلك مارست إستبعاد المعارضة أو رضت عنه ولم تدافع عن حقوق من عارضوا سياساتهم.

لماذا الديمقراطية؟ لأنها السبيل الوحيد لتحقيق الشرعية بدون الأستحقاق النضالي الذي يأتي نتيجة للإستبعاد والأستثناء والأجتثاث وتزوير الأنتخابات وتسييس القضاء.

والنضال كالسلعة التجارية المطروحة في سوق السياسة، كلما كانت تؤدي لنتيجة تغني أصحابها وترفع أقدارهم كلما كانت تتبع وتشترى، لكن إذا لم تؤدي إلى نتيجة وإذا حل الأستحقاق الأنتخابي محلها فلن يشتريها أحد.

جائت الولايات المتحدة للعراق وأفغانستان بنسخة مخففة من الديمقراطية وساندت حكومات تستبعد المعارضة فلم تؤدي إلا إلى عدم الأستقرار وإلى زيادة قوة المستبعدين وإضعاف ما تبقى من الديمقراطية وإلى إستمرار الوضع القائم، فلم تأتي الولايات المتحدة في واقع الأمر بجديد.

The End

وهكذا تكلم مهاتير

December 7th, 2014

تكلم رئيس الوزراء السابق لأتحاد ماليزيا مهاتير محمد في منتدى كوالالمبور فقال كلام ذو معان عميقة، كانت كلماته على شكل نصائح للشعوب العربية المتناحرة وكانت أولى نصائحة أن تساهم جميع الفصائل والمكونات بلا إستثناء..بلا إستثناء في حوار مفتوح! ويتوقع فيه أن يقدم الجميع التنازلات من أجل المصلحة العامة ومن أجل تحقيق الأستقرار الذي يؤدي إلى النمو الأقتصادي والأمن الأجتماعي.

بالمقارنة مع أحزاب وفئات الشعب العراقي نواجه بجدار من الأستحالة من أول خطوة يقترحها مهاتير، فجميع الأحزاب التي جائت مع الأمريكان طالبت وتطالب بأستثناءات وإستبعادات وشروط من أجل مشاركتها في العملية السياسية، ودكتاتورية صدام حسين تشهد عليه وأحزاب اليسار التي إستقوت بعد 14 تموز ونادت وما تزال بالديمقراطية كانت في الواقع من أشد الممارسين بأستبعاد معارضيهم. و قبلهم في العهد الملكي فقد حوربوا وأستبعدوا من العملية السياسية.

وهنا نرى تاريخاً مستمراً ومتصاعداً من ممارسة الأستبداد و إستبعاد المعارضة وظاهرة الضحايا التي تتحول بين يوم وليلة إلى مجرمين ومدانين بنفس الجرائم التي أرتكبت بحقهم، ويبدو لي أننا نبتعد شيئاً فشيئاً عن الشرط الأول والأساسي لنصائح مهاتير في سبيل السير على طريق الأستقرار. ونحن اليوم نتسائل إلى متى تستمر هذه الحلقة المفرغة وما هي الظروف أو الشروط التي أدت إلى هذه الظاهرة المدمرة وما الحلول التي قد تؤدي إلى إنكسار الأستمرارية؟ هل نستسلم إلى أنتظار المخلص الذي يستطيع تنفيذ سياسة مهاتير محمد أو غاندي أو مانديلا؟ وهل يمكن أن تكون الحلول بهذه الصعوبة وهل العلة فينا أو في ديننا أو عروبتنا أو مجتمعاتنا؟

صورة الحل تعتمد على المشاهد ورؤيته للواقع، إذا كانت الرؤية تبدو وكأنها مشكلة فردية، أي تعتمد على شخصية القائد، فلابد أن يرى المشاهد عجزه وعجز الذين من حوله في أختيار الرئيس المناسب أو تغير نفسيته أو تغيره بآخر ممن يتمتع بصفات الصدق والثبات، لذا فهو لا يرى سوى الإنتظار لحين ظهور القائد المخلَص. أما إذا شاهد الواقع كمشكلة أجتماعية، أي أنها جائت بسبب ضعف المؤسسات أو غياب المسائلة أو عدم إستقلال القضاء، فسوف يبدو الحل على صورة تغيرات هيكلية بدون شخصيات بطولية ولا إعتماد على ضربة حظ تعتمد على إخلاص وبعد نظر قائد من طراز الملك فيصل الأول، بل قد تبدو أقرب للتحقيق وليست ضرباً من الخيال، فالأفراد الفاسدون من العراقيين والأجانب الذين لا يتورعون في إختلاس الملايين والقتل والأفتراء داخل العراق لا تراهم يختلفون عن أي مواطن أوربي أو أمريكي في أتباعه للقانون في بلده عند سفره لبلاد الغرب.

مشاركة الجميع بدون إستثناء وإستعدادهم لتقديم التنازلات هو الشرط الأول والأساسي لتحقيق الأستقرار، والجميع هنا هو جميع العراقيين وليست القوى الأقليمية والدولية وكل من تدخل بالأموال والقوى في سبيل حماية مصالحة الخاصة.

The End